السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
1
مفاتيح الأصول
باسم اللَّه تعالى شأنه العزيز هذا الكتاب المستطاب المسمّى بمفاتيح الأصول من مصنّفات جناب المستطاب سيّد الفقهاء والمجتهدين ورئيس الملَّة والدّين وعماد الإسلام والمسلمين الإمام الهمام القمقام المجاهد في سبيل اللَّه المرحوم المغفور السّيّد السّند السيّد محمّد الطباطبائي الكربلائي طاب ثراه ورفع اللَّه تعالى في الخلد مقامه بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم وبه ثقتي الحمد للَّه ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على خير خلقه محمّد وآله الطَّاهرين باب مفاتيح اللغات قال اللَّه تبارك وتعالى وما أرسلنا من رسول إلَّا بلسان قومه القول في الدّلالة مفتاح اختلف العلماء في أنّ اللَّفظ هل يدل على معناه بالذات أو بوضع الواضع على قولين الأوّل أنه لا يدل عليه بالذات بل بالوضع وهو للمحققين على ما يظهر من التهذيب الثاني أنه يدل عليه بالذات وهو محكي عن عباد بن سليمان الصيمري وجماعة من معتزلة بغداد وأهل التكسير للأولين أنه لو لم تكن بالوضع لكان باعتبار ذاته والتالي باطل فالمقدم مثله أما الملازمة فلأنه لا واسطة بين الأمرين فانتفاء أحدهما يستلزم ثبوت الآخر وأما بطلان التالي فلوجوه الأول أنه لو كانت الدلالة بالذات لامتنع جعل اللفظ بواسطة القرينة بحيث يدل على المعنى المجازي دون الحقيقي لأن ما بالذات لا يزول بالغير والتّالي باطل قطعا الثاني أنه لو كانت الدلالة بالذات لوجب أن يفهم كلّ طائفة لغة الأخرى وإلا يلزم وجود العلة التامة بدون معلولها وهو محال والتالي باطل قطعا الثالث ما أشار إليه بعض المحققين فقال إن دلالة الألفاظ على معانيها لو كانت لمناسبة ذاتية بينهما لما صحّ وضع اللفظ الدال على الشيء بالمناسبة الذاتية لنقيض ذلك الشيء أو ضدّه لأنا لو وضعناه لمجرد النقيض أو الضدّ لما كان له في ذلك الاصطلاح دلالة على ذلك الشيء فيلزم تخلف ما بالذات وهو محال ولو وضعناه لذلك الشيء ولنقيضه أو ضدّه فدل عليهما لزم اختلاف ما بالذات بأن يناسب اللفظ بالذات للشيء ونقيضه أو ضدّه وهما مختلفان وهو محال انتهى لا يقال لا يلزم من عدم الدلالة على ذلك الشيء بحسب هذا الاصطلاح وبسبب هذا الوضع عدم الدلالة عليه مطلقا بل الخصم يقول الدلالة التي كانت عليه بالمناسبة وهي الدلالة العقلية باقية بحالها وإن لم يكن لذلك الوضع الذي كان لنقيضه أو لضدّه مدخل فيها وقد أشار إلى هذا الباغنوي لأنا نقول دعوى بقاء الدلالة العقلية ممّا يكذبه الوجدان كما اعترف به الباغنوي نعم اعترض على الحجة المزبورة بأن دعوى لزوم تخلف ما بالذات تتوجّه لو ادعى الخصم أن مجرّد المناسبة كافية في الدلالة من غير مدخلية للعلم بها وأما لو ادعى أنه لا بدّ من العلم بتلك المناسبة كما أن عند استناد الدلالة إلى الوضع لا بد من العلم بالوضع لتحقق الدلالة والفهم فلا يتم إذ لعل التخلف لعدم الشعور بالمناسبة وللآخرين ما أشار إليه علامة في التهذيب فقال ذهب عباد بن سليمان إلى أن اللفظ يدل على المعنى لذاته لاستحالة ترجيح بعض الألفاظ بمعناه من غير مرجح وقد أطبق المحققون على بطلانه والمخصّص إما إرادة المختار أو سبق المعنى حال خطور اللفظ بباله انتهى واعترض على ما أجاب به عن عباد بأنه يتمشى فيما لا يخطر غيره ولا يتمشى فيما يخطر هو وغيره واعلم أنه يظهر مما احتجّ به علامة لعباد أنه لا يقول بأن المناسبة هي السبب في الدلالة بل هي السبب في وضع الواضع وأحدهما غير الآخر وعن السّكاكي أنه قال إن ما ذكره محمول على ما ذكره أئمة الاشتقاق من أن الواضع لا يهمل في وضعه رعاية ما بين اللفظ والمعنى من المناسبة مفتاح اعلم أن القائلين بأن دلالة اللفظ على المعنى بالوضع اختلفوا في الواضع على أقوال الأول أن الواضع هو اللَّه عز وجلّ وأن الوضع توقيفي وعلم بالوحي أو بخلق أصوات تدل عليه وأسمعها لواحد أو لجماعة أو بخلق علم ضروري بذلك وهذا القول